السيد عبد الأعلى السبزواري
102
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ . أي : انظر إلى تلك الفئة القليلة التي تقاتل في سبيل اللّه ، وإلى الفئة الكافرة الكثيرة ، وقد كتب للأولى - مع قلّتها - الغلبة ، وعلى الثانية - على كثرتها - الذلّ والهوان ، وفي ذلك عبرة لاولي البصائر والأبصار بعدم الاغترار بالكثرة في الأموال والأولاد ، فإن ذلك ليس سبيل النصر والنجاح ، بل اللّه ينصر من يشاء ولا يعجزه شيء . قوله تعالى : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ . أي : ترى الفئة الكافرة الفئة المؤمنة المرئية مثلي عددهم في العين والمشاهدة ، لأجل إرعاب الكفّار وإعلان الغلبة . وهذا الأمر لا ريب فيه بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى ، لإحاطته على البصائر ، فكيف بالأبصار ؟ مع أن تكثير العدد بالنسبة إلى رؤية العين أمر ممكن بحسب الأسباب الطبيعيّة ، كما ثبت في علم المبصرات . ويمكن أن يكون ذلك تصرّفا في الهواء المجاور للعين ، بحيث ينعكس الواحد متعدّدا فيها . والآية الشريفة تبيّن تكثير المؤمنين في العين ، ولكن الآية الأخرى في سورة الأنفال تبيّن تقليل المسلمين في أعين الأعداء ، وهي قوله تعالى : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [ الآية : 44 ] . ووجه الجمع بين الآيتين أن التكثير كان لغرض والتقليل كان لغرض آخر ، ولعلّه كان التقليل لأجل اجتراء العدو على مقاتلة المسلمين ، ثم تكثيرهم في أعين الكفّار وإحاطة المسلمين بهم ، ليفوزوا بالنصر والغلبة ، وهذا من أحد أسرار الحروب ، كما هو المعهود في العصر الحاضر ، كما يمكن أن يكون التقليل والتكثير في زمانين متعدّدين ، أو يكون في زمان واحد ولكن يقلّل بعضا ويكثّر بعضا آخر . وظاهر الآية الشريفة أن الضميرين في قوله تعالى : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ